أبو الليث السمرقندي

397

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

حجره ، فتناول موسى لحية فرعون ومدها إلى الأرض ، فقالت له الغواة من أعداء اللّه : ألا ترى إلى ما وعد اللّه إبراهيم عليه السلام ؟ إنه يريد أن يصرعك وينزع عنك ملكك ويهلكك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت له : ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي ؟ فقال : ألا ترينه ، إنه سيصرعني ؟ فقالت له : اجعل بينك وبينه أمرا لتعرف فيه الحق . ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين ، علمت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ، فاعلم بأنه لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فقرب ذلك إليه ، فتناول الجمرتين ، فانتزعوهما منه مخافة أن تحرقا يديه . فلما بلغ أشده وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا بسخرة . فبينما هو يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان ، أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من آل فرعون ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتدّ غضبه ، فوكزه فقتله ، وليس يراهما أحد إلا اللّه عز وجل والإسرائيلي . فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون ، فخذ لنا بحقنا . فقال : ائتوني بقاتله والذي يشهد عليه آخذ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئا ، وإذا موسى قد رأى من الغد الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، وقد ندم موسى على ما كان منه بالأمس ، وكره الذي رأى ، فغضب على الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيليّ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [ القصص : 18 ] فخاف الإسرائيلي ، وظن أنه يريد إياه فقال : يا موسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [ القصص : 19 ] ، فتتاركا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه وأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر . فأرسل فرعون إلى الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى . وجاء رجل من شيعة موسى ، فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى ، فأخبره الخبر ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فخرج موسى متوجها نحو مدين ، لم يلق بلاء قبل ذلك ، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه تعالى ، فإنه قال : قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [ القصص : 23 ] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [ القصص : 23 ] . يعني : إنهما حابستان غنمهما . فقال : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟ قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم فنسقي ، فسقى لهما موسى فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاة فراغا . فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما ، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها . فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفّلا فقال : إن لكما لشأنا اليوم . فحدثاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتته فدعته . فلما دخل على شعيب عليه